محمد بن جرير الطبري

89

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

يفسر من القرآن شيئًا إلا آيًا بعَددٍ - هو ما يسبقُ إليه أوهامُ أهل الغياء ، من أنه لم يكن يفسّر من القرآن إلا القليل من آية واليسير من حروفه ، كان إنما أُنزلَ إليه صلى الله عليه وسلم الذكرُ ليَترك للناس بيانَ ما أنزل إليهم ، لا ليبين لهم ما أُنزل إليهم . وفي أمر الله جلّ ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم ببلاغ ما أنزل إليه ، وإعلامه إياه أنه إنما نزل إليه ما أنزل ليبين للناس ما نزل إليهم ، وقيامِ الحجة على أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد بلّغ وأدّى ما أمره الله ببلاغه وأدائِه على ما أمره به ، وصحةِ الخبر عن عبد الله بن مسعود بقيله ( 1 ) : كان الرجل منا إذا تعلم عشرَ آيات لم يجاوزهُن حتى يعلم معانيهنّ والعملَ بهنّ - ( 2 ) ما ينبئ عن جهل من ظنَّ أو توهَّم أنّ معنى الخبر الذي ذكرنا عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئا إلا آيًا بعَددٍ ، هو أنه لم يكن يبين لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه . هذا مع ما في الخبر الذي رُوي عن عائشة من العلَّة التي في إسناده ، التي لا يجوز معها الاحتجاجُ به لأحدٍ ممن علم صحيحَ سَند الآثار وفاسدَها في الدين . لأنّ راويه ممن لا يُعْرف في أهل الآثار ، وهو : جعفر بن محمد الزبيري . وأما الأخبار التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من التابعين ، بإحجامه عن التأويل ، فإنّ فِعلَ من فعل ذلك منهم ، كفعل من أحجم منهم عن الفُتيا في النَّوازل والحوادث ، مع إقراره بأنّ الله جل ثناؤه لم يقبض نبيه إليه ، إلا بعد إكمال الدين به لعباده ، وعلمه بأن لله في كل نازلة وحادثة حُكمًا موجودًا بنصٍّ أو دلالة . فلم يكن إحجامُه عن القول في ذلك إحجامَ جاحدٍ أن يكون لله فيه حكم موجود بين أظهُرِ عباده ، ولكن إحجامَ خائفٍ أن لا يبلغَ في اجتهاده ما كلَّف الله العلماء من عباده فيه . فكذلك معنى إحجام مَن أحجم عن القيل في تأويل القرآن وتفسيره من العلماء السَّلف ، إنما كان إحجامه عنه حِذارًا أن لا يبلغ أداءَ ما كلِّف من إصابة صوابِ القول فيه ، لا على أن تأويل ذلك محجوبٌ عن علماء الأمة ، غير موجود بين أظهرهم .

--> ( 1 ) في المطبوعة " قد بلغ فأدى . . " و " لقيله " . ( 2 ) سياق عبارته من أول هذه الفقرة هو : " وفي أمر الله جل ثناؤه . . وفي قيام الحجة . . ، وفي صحة الخبر . . ما ينبئ . . "